Email : msaa.al.aly@gmail.com
المراحل التاريخية للمذهب الشافعي

بقلم: محمد فصيح الدين
حمدا وشكرا لله، صلاة وسلاما على محمد رسول الله. وبعد، فإن هذه الرسالة من نفس السلسلة “ما لا يسع الطالب جهله” التي تصدر من قبل. وسأبحث هنا تاريخ المذهب الشافعي الذي لا بد من معرفته على الطلاب. فأحيانا، كثر منهم غفلها، وعدم الاعتناء فيها، مع أن معرفته مهم جدا لتقوية فهم المذهب الشافعي تاريخيا. فإنَّ من عَرَفَ هذا، دَقَّ فهمُه وبَعُدَ خطأُه في فهم المذهب، لأن ظهور الفقه تتعلق بأحوال الفقهاء.
وفي هذه الرسالة، أبيِّن المراحل التاريخية للمذهب التي يجب فهمُها ومعرفتُها. فسوف أبيِّنها بإيجاز واختصار نقلا من المصادر المعتبرة.
بعد النظر والتأمل، أنتجّ وألخِّصُ أن المراحل التاريخية تنقسم على ثمان مراحل. وعلى سبيل الترتيب ما يلي:
المرحلة الأولى: مرحلة تأسيس المذهب على يد الإمام الشافعي رحمه الله (186 – 204 هـ)
الثانية: مرحلة نقل المذهب ورواية مصنفات الإمام الجديدة (204 – 270 هـ)
الثالثة: مرحلة ظهور المذهب وانتشاره (270 – 404 هـ)
الرابعة: مرحلة استقرار المذهب وثباته وظهور طريقتي العراقيين والخراسانيين (404 – 505 هـ)
الخامسة: مرحلة التحرير لمصنفات المذهب على يد الشيخين؛ الرافعي والنووي (505 – 676 هـ)
السادسة: تَمَحْوُرُ جهود العلماء حول كتب الشيخين / عصر الشروح (676 – 926 هـ)
السابعة: تمحور جهود العلماء حول الشروح / عصر الحواشي (926 – 1335 هـ)
الثامنة: انحسار تدريس المذهب والإفتاء والقضاء به / المرحلة المعاصرة (1335 – الآن هـ)
في الحقيقة، البحث عن هذه المراحل ستُكتب في الرسالتين لعدم تطول الشرح. وهذه الرسالة الأولى تنحصر على المرحلة الأولى إلى الرابعة. والباقية -المرحلة الخامسة إلى الثامنة- في الرسالة الثانية. فأقول:
1. المرحلة الأولى: مرحلة تأسيس المذهب على يد الإمام الشافعي رحمه الله (186 – 204 هـ / 19 سنة)
لتحديد بداية هذه المرحلة بشكل دقيق، يجدُر بي أن أستعرض أهمَّ المَحَطَّاتِ التاريخية في حياة الإمام الشافعي باختصار، حتى تتضح لنا معالمُ هذه المرحلة التأسيسية بجلاء.[1]
وُلِدَ الإمام في غَزَّةَ سنة 150 هـ في القرن الثاني الهجري في عصر بداية الدولة العباسية، والذي كان يتَّسم بالاستقرار وبداية تدوين العلوم وانتشار الحلقات العلمية ومجالس المناظرة. ولما بلغ ستنين من عمره، نقلتْه أمُّه مع عمه إلى مكة. وفي مكة، بدأ الإمام رحلته في طلب العلم على شيوخها كمسلم بن خالد الزِّنجي (ت. 179 هـ)، وسفيان بن عُيَيْنَةَ (ت. 196 هـ) وغيرِهما.[2]
رحل إلى المدينة المنورة عام 163 هـ، وعمرُه 13 سنة، ولازم الإمامَ مالك بن أنس إلى وفاته عام 179 هـ حوالي 16 سنة. وبعد وفاة شيخه، اضطُرَّ الإمام لعملٍ يَسُدُّ به حاجتَه بسبب فقره، فعمل والياً للعباسيين على نجران لمدة 5 أعوام من عام 179 – 184 هـ. وبِسبب وِشاية من بعض أعدائه وحُسَّاده، اُتُّهِمَ بمناهضة الدولة العباسية والخروجِ على الخليفة هارون الرشيد مع مجموعة من العلويِّين، فاعتُقِل وأُرسِل إلى بغداد قسرا عام 184 هـ.[3] وكاد أن يُعدَم كما أُعدِم من اعتقلوا معه. لولا وساطةُ محمد بن الحسن الشيباني (ت. 189 هـ) الذي كان قاضيَ الخليفة هارون الرشيد وطلاقةُ لسان الإمام وحسنُ دفاعه عن نفسه[4]، فخرج من الاعتقال ليُصبِح في بغداد ولِيفيدَ من علومٍ وفقه أهل العراق من الشيباني، حيث جرت بينهما مناقشات ومناظرات عديدة.[5]
بَقِيَ الإمام في بغداد سنتين (184-186 هـ)، ليعود بعدها إلى مكة ويمكث بها تسع سنوات من 186-194 هـ تقريبًا حالَ كونه مدرِّسًا ومُفتيًا ومُؤَسِّسًا لقواعد مذهبه المستقل الذي كان وَسَطًا بين مدرسة فقهاء الحجاز والعراق. وصنَّف كتابه “الرسالة” الذي وضع فيه قواعدَ الاستنباط، وأَصَّلَ فيه لأصول الفقه. وفي هذه الفترة، أصبح شخصيةً بارزةً، وظهر وَصِيتُه، وعلا شأنُه. وفيها بالتحديد، تبدأ المرحلة الأولى من مراحل تاريخ المذهب.[6]
عاد الإمام مرة ثانية إلى بغداد عام 195 هـ، وكان الغرض من هذه الزيارة عرضَ مذهبه والمناقشةَ فيه مع الفقهاء هناك، وتمخَّضت زيارتُه هذه عن إملاءه لمذهبه فيما عُرِفَ بعد ذلك بـ”المذهب القديم”، والذي نقله عنه مجموعةٌ من طلابه الذين لازموه بالعراق. أشهرهم أربعة: 1) أَبُو ثَوْرٍ الكَلبِيُّ (ت. 240 هـ)؛ 2) أَبُو عَلِيٍّ الكَرَابِيسِيُّ (ت. 284 هـ)؛ 3) الحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ (ت. 260 هـ)؛ 4) الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ (ت. 241 هـ). وكانت هذه الإقامة سنتين من 195-197 هـ، ثم عاد بعدها إلى مكة لزيارة أهله.[7]
ثم عاد الإمام ثالثةً إلى بغداد عام 198 هـ، لكنه لم تطل إقامته بها، بل كانت أشهُرًا.[8] ويعزو أبو زهرة ذلك لاختلاف الأوضاع السياسية في خلافة المأمون (ت. 218 هـ) واتجاهه المناهض لأهل الحديث وتقريبه لعلماء المعتزلة مع غلبة العنصر الفارسي على الدولة. وفي تلك الأثناء، جاءت دعوةٌ للإمام من الخليفة العباسي حاكم مصر حينئذ، فشد الرحال إلى مصر سنة 199 هـ.[9] وفي مصر، وجد الإمام بِيئَةً علميةً للنِّقاش مع تلاميذ شيخه الإمامِ مالك وغيرِهم مما جعل الإمام يُعيد النظرَ في مذهبه أصولا وفروعا، ويُملي مصنفاته التي عُرِفَت فيما بعدُ بـ”المذهب الجديد”، والتي رواها عنه تلاميذُه المصريون. وأشهرهم ستة: 1) أَبُو يَعْقُوْبَ الْبُوَيْطِيُّ (ت. 232 هـ)؛ 2) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيْبِيُّ (ت. 234 هـ)؛ 3) الرَّبِيْعُ الْجِيْزِيُّ (ت. 256 هـ)؛ 4) إِسْمَاعِيْلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ (ت. 264 هـ)؛ 5) يُوْنُسُ بْنُ عَبْدِ اْلأَعْلَى (ت. 264 هـ)؛ 6) الرَّبِيْعُ الْمُرَادِيُّ (ت. 270 هـ).[10]
2. المرحلة الثانية: مرحلة نقل المذهب ورواية مصنفات الإمام الجديدة (204-270 هـ / 67 سنة)
فالبُوَيْطِيُّ الذي كان خليفةً للشافعي وأبرزَ تلاميذه المصريين وأكبرَهم سِنًّا قام بجُهدٍ كبيرٍ في القيام بحلقة إمامه تدريسا، وجمع تلاميذَه لأكثر من 20 سنة إلى أن امتُحِنَ في فتنة خَلق القرآن، وحُبِسَ إلى أن تُوُفِّيَ عام 231 هـ. ثم خَلَفَه بعد وفاته المُزَنِيُّ في استمرار حلقة الدرس. وصنَّف مجموعة من المصنفات، أشهرها: “المختصر الصغير” المشهور بـ”مختصر المزني”، وهو أولُ مصنَّفٍ في مؤلفات الشافعية والذي على منواله سار الشافعية في التصنيف. وكذا، الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ الذي عاش بعد وفاة الإمام 66 عاماً، فهو الراوي المتقن الذي ضبط نقلَ مصنفات الإمام كـ”الأم” و”الرسالة”، وكان له دور كبير في نقل هذه المصنفات إلى أكبر عدد من التلاميذ والرواة.
وهكذا تظافرت جهودُ البويطي في إقامته لحلقة درس الإمام، والمزني في التصنيف وخدمة المذهب، والمرادي بحفظ المصنفات ونقلها. هذه الجهود ساهمت في حفظ مذهب الإمام الشافعي من الاندثار والضياع الذي حصل لمذاهبِ كثيرٍ من المجتهدين.
3. المرحلة الثالثة: مرحلة ظهور المذهب وانتشاره (270-404 هـ / 135 سنة)
ومِن أهم من تَبَنَّوا المذهب الشافعي من الحُكَّام: 1- الخليفة العباسي القَادِرُ بِاللهِ (ت. 422 هـ): أول خليفة عباسي تمذهب بالمذهب الشافعي حوالي عام 381-422 هـ؛ 2- الوزير نِظام المُلك الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ بْنِ إِسحاق الطُّوسِيُّ (ت. 485 هـ): تولى الوزارة من 455-485 هـ، ويعد عصره العصر الذهبي للمذهب؛ 3- السلطان شَمسُ المُلك (ت. 492 هـ).
4. المرحلة الرابعة: مرحلة استقرار المذهب وثباته وظهور طريقتي العراقيين والخراسانيين (404-505 هـ / 102 سنة).
في هذه المرحلة التي تعد حساسة في تاريخ نشأة المذاهب الفقهية، والتي ظهر منها الكثير وانتشر ثم اندفر، استطاع المذهب الشافعي أن يستقر ويثبت. وذلك يعود لسببين رئيسين:
1- كثرة العلماء الذين حملوا المذهب وأكثروا في تصانيفهم وتنوعت أساليبهم في خدمة المذهب، يظهر ذلك جليا في كتب طبقات الشافعية، جيث تجد تراجم لكثير من فقهاء الشافعية تلك الفترة أكثر من 100 فقيه.
2- السبب الأهم هو تَبَنِّي مجموعة من الحُكَّام للمذهب الشافعي وفرضِه رسميًّا على مناصب التدريس والقضاء والإفتاء.
ومِن أهم من تَبَنَّوا المذهب الشافعي من الحُكَّام: 1- الخليفة العباسي القَادِرُ بِاللهِ (ت. 422 هـ): أول خليفة عباسي تمذهب بالمذهب الشافعي حوالي عام 381-422 هـ؛ 2- الوزير نِظام المُلك الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ بْنِ إِسحاق الطُّوسِيُّ (ت. 485 هـ): تولى الوزارة من 455-485 هـ، ويعد عصره العصر الذهبي للمذهب؛ 3- السلطان شَمسُ المُلك (ت. 492 هـ).
وفي هذه المرحلة ظهور طريقة العراقيين والخراسانيين. فمن أشهر أعلام طريقة العراقيين: 1- أبو حامد الإِسْفِرَايِيْنِيُّ (ت. 406 هـ): شيخ طريقة العراقيين. وله “التعليقة” شرح مختصر المزني؛ 2- القاضي أَبُو الطَّيِّب طاهر بن عبد الله الطَّبري (ت. 450 هـ) الذي لازم الشيخ أبا حامد الإسفراييني؛ 3- أبو الحسن الماوردي (ت. 450 هـ) الذي أخذ أيضا من نفس الشيخ. وله “الحاوي” شرح مختصر المزني.
ومن أشهر أعلام طريقة الخراسانيين: 1- أبو بكر عبد الله المَرْوَزِي (ت. 417 هـ) المشهور بـ”القفال الصغير”: شيخ طريقة الخراسانيين؛ 2- أبو محمد الجُوَيْنِيُّ (ت. 438 هـ)؛ والد إمام الحرمين الذي أخذ عن القفال الصغير؛ 3- القاضي حُسَيْن (ت. 462 هـ) الذي لازم القفال الصغير. وله “التعليقة” شرح مختصر المزني.
فظهر بعد ذلك جيلٌ من العلماء، جمعوا في تصانيفهم بين الطريقتين، وإن كانوا في نشأتهم العلمية ينتمون إلى إحدى الطريقتين. فكانوا ينقلون عن مصنفات الطريقتين ويعزُون كل قول إلى أئمته. وأولهم: الشيخ أبو علي السِّنجِي (ت. 427 هـ). ومن أبرزهم: المُتَوَلِّي (ت. 448 هـ)، وابن الصَّبَّاغ (ت. 477 هـ)، وإمام الحرمين الجويني (ت. 478 هـ)، والشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازِيُّ (ت. 476 هـ)، والرُّوياني (ت. 502 هـ)، والغزالي (ت. 505 هـ).
انتهى.
مالانج، 6 ربيع الأول 1444 هـ / 2 أكتوبر 2022 م.
[1]إن كنت تقرأ ترجمة الإمام، فمن أهم كتبها: “آداب الشافعي ومناقبه” لابن أبي حاتم الرازي، “مناقب الشافعي” للبيهقي، والرازي، وابن كثير، “توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس” للحافظ ابن حجر العسقلاني، “الإمام الشافعي؛ حياته وعصره وآراؤه وفقهه” لأبي زهرة.
[2]توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس (ص: 34-54).
[3]مناقب الإمام الشافعي للرازي (ص: 71).
[4]توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس (ص: 133).
[5]آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص: 32).
[6]الإمام الشافعي لأبي زهرة (ص: 26).
[7]الإمام الشافعي لأبي زهرة (ص: 25).
[8]توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس (ص: 128).
[9]الإمام الشافعي لأبي زهرة (ص: 27).
[10]للاستزادة على بيان هذه المرحلة، فانظر: “المذهب عند الشافعية” لمحمد إبراهيم، “المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي” لأكرم القواسمي.
[11]للاستزادة على بيان هذه المرحلة، فانظر: “المذهب عند الشافعية” لمحمد إبراهيم، “المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي” لأكرم القواسمي.
[12]المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي (ص: 315).
[13]الموسوعة الفقهية الكويتية (1 / 21).